محمد متولي الشعراوي

9019

تفسير الشعراوي

والذكْر هو الصِّيت والرِّفْعة والشرف ، كما في قوله تعالى : { وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } [ الزخرف : 44 ] وقوله تعالى : { لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ } [ الأنبياء : 10 ] أي : فيه صِيتكم وشرفكم ، ومن ذلك قولنا : فلان له ذِكْر في قومه . ومن الذكْر ذِكْر الإنسان لربه بالطاعة والعبادة ، وذكْر الله لعبده بالمثوبة والجزاء والرحمة ومن ذلك قوله تعالى : { فاذكروني أَذْكُرْكُمْ } [ البقرة : 152 ] . فقوله تعالى : { ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ } [ مريم : 2 ] أي : هذا يا محمد خبر زكريا وقصته ورحمة الله به . والرحمة : هي تجليّات الراحم على المرحوم بما يُديم له صلاحه لمهمته ، إذن : فكلُّ راحم ولو من البشر ، وكلُّ مرحوم ولو من البشر ، ماذا يصنع ؟ يعطى غيره شيئاً من النصائح تُعينه على أداء مهمته على أكمل وجه ، فما بالك إنْ كانت الرحمة من الخالق الذي خلق الخلق ؟ وما بالك إذا كانت رحمة الله لخير خَلْقه محمد ؟ إنها رحمة عامة ورحمة شاملة ؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أشرف الأنبياء وأكرمهم وخاتمهم ، فلا وَحْيَ ولا رسالة من بعده ، ولا إكمال . إذن فهو أشرف الرسل الذين هم أشرف الخَلْق ، ورحمة كل نبي تأخذ حظها من الحق سبحانه بمقدار مهمته ، ومهمة محمد أكرم المهمات . وكلمة ( رَحْمَة ) هنا مصدر يؤدي معنى فعله ، فالمصدر مثل الفعل يحتاج إلى فاعل ومفعول ، كما نقول : آلمني ضَرْب الرجل ولدَه ، فمعنى : { رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ } [ مريم : 2 ] أي : رحم ربُّك عبده زكريا . لذلك قال تعالى : { رَحْمَةِ رَبِّكَ } [ مريم : 2 ] لأنها أعلى أنواع الرحمة ، وإن كان هنا يذكر رحمته تعالى بعبده زكريا ، فقد خاطب محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بقوله : { وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } [ الأنبياء : 107 ] فرحمة الله تعالى بمحمد ليست رحمة خاصة به ، بل هي رحمة عامة لجميع العاملين ، وهذه منزلة كبيرة عالية . فالمراد من { ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ } [ مريم : 2 ] يعنى هذا الذي يُتلَى عليك الآن يا محمد هو ذِكْر وحديث وخبر رحمة ربك التي هي أجلُّ الرحمات بعبده زكريا .